الغزالي
64
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
15 - باب : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من صلّى عليّ مرة ، خلق اللّه تعالى من نفس المصلي غمامة بيضاء ، ثم يأمرها اللّه تعالى أن تأخذ من بحر الرحمة فتأخذ ، ثم يأمرها أن تمطر ، فإذا أمطرت فأي قطرة قطرت على الأرض يخلق اللّه الذهب منها ، وأي قطرة قطرت على الجبال يخلق اللّه تعالى منها الفضة ، وأي قطرة قطرت على كافر ، رزقه اللّه تعالى الإيمان » . قال اللّه سبحانه وتعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ « 1 » قال الكلبي : هذه الآية تتضمن بيان حال هذه الأمة في الفضل على غيرها من الأمم ، وفيها دليل على أنّ هذه الأمّة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق ، وأن هذه الخيريّة مشتركة بين أول هذه الأمة وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم ، وإن كانت متفاضلة في ذاتها ، كما ورد في فضل الصحابة على غيرهم ، ومعنى أُخْرِجَتْ أظهرت للناس ، أي لنفعهم ومصالحهم في جميع الأعصار حتى تميّزت وعرفت ، وقوله تعالى : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ « 2 » كلام مستأنف يتضمّن بيان كونهم خيرا مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتّصفوا به . فإذا تركوا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك ، فجعلهم اللّه خير الناس للناس لأنّهم يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويقاتلون الكفار ليسلموا فترجح منفعتهم على غيرهم كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « خير النّاس من ينفع الناس ، وشرّ الناس من يضرّ الناس » تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي : تصدّقون بتوحيد اللّه ، وتثبتون على ذلك ، وتقرّون أنّ محمدا نبيّ اللّه ، لأنّ من كفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يؤمن باللّه ، لأنه يزعم أن الآيات المعجزات التي أتى بها من عند نفسه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 110 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 110 .